البطريرك ساكو في رسالة إلى مؤتمر "الأقليات الدينية بالمغرب": يجب تفكيك جذور التطرف وتجفيف منابعه
في تعدد الديانات حكمة إلهية
لابد من تحمُّل مسؤوليتنا قبل أن يمتد الصراع لسنوات عديدة
[+] | الحجم الأصلي | [-]
البطريرك مار لويس روفائيل الاول ساكو، بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية
البطريرك مار لويس روفائيل الاول ساكو، بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية
العراق في 26 يناير /إم سي إن/
قال البطريرك مار لويس ساكو الأول، بطريرك الكنيسة الكلدانية في العراق والعالم، إنه ي"جب تفكيك جذور التطرف، وتجفيف منابعه". وذلك في رسالة إلى رئيس برلمان الاتحاد الأوروبي بمناسبة انعقاد البرلمان في النمسا بتاريخ 20/1، وذاتها إلى المؤتمر الدولي بشأن حقوق الأقليات الدينية في الديار الإسلامية المنعقد في المغرب للفترة 25-27/1، وبمشاركة مكونات العراق، وقرأها نيابة عنه الأب فادي ضو. وجاءت رسالة مار ساكو بعنوان "كيف نحمي العيش المشترك المتناغم في العراق والمنطقة من خطر التطرف والإرهاب".

وتحدث فيها عن معاناة المسيحيين والمكونات الإثنية الأخرى بعد أحداث عام 2003، وواقعهم المرير، والسبل الكفيلة لمعالجة ما آلت إليه الأوضاع نحو انحدار في مستويات الأمن والسلام والاستقرار.

حيث قال "ساكو": "كأن كل شيء بدأ بين ليلة وضحاها، وكأن أياد خفية خبيثة رتبت كل شيء، لما يؤدي إلى الانسياق لتنفيذ ما خطط له، وتأتي ملامح الصورة وفق هذه الخطوط:

ظهور صراعات جديدة في العراق والمنطقة تُشبه حروبا منظمة، ولكن بحبكة ذكية لأسلوبٍ مختلف عن الحروب التقليدية.

وجرى بنحو غير مسبوق زرع بذور سرعان ما انتشرت كالنار في الهشيم، مع انتشار مفاجئ لتيارات طائفية ودينية ومذهبية متشددة، تبرر العنف غير المحدود، مع كل ما لا يتماشى مع أيديولوجيتها، فزادت في ارتفاع التوتر والتقاطع، وظهرت على السطح كتل سياسية اعتمدت المحاصصة في إدارة الدولة بدلا من الكفاءة والمهنية، وهذا أدى إلى تغييب الثقة فيما بينها؛ وسرعان ما تميزت بخلافها على السلطة والمال والحدود الجغرافية. وتعمقت هوة هذه الخلافات، بغياب المصالحة الوطنية الفعلية، وبالتالي كان الابتعاد عن أي نوع جدي من الشراكة الوطنية والحلول المنشودة".

وتابع: "لم يعد يخفى على أحد ما حدث من تدخلات جهات خارجية مستفيدة، من تراجع الدولة وضعف أدائها وتشتت ابنائه، فدفعت ببلادنا مع بلدان المنطقة إلى الفوضى والإرهاب تحت شعار الديمقراطية والحرية، فسلبت ثروتنا وحريتنا وسلامنا، ووحدة مجتمعاتنا والتعايش البناء بينها!".

وأضاف: "كل هذا ولد البيئة المناسبة التي أدت إلى: الفشل في فرض سلطة القانون، أمام سلطة الغاب، وعدم نجاح النظام التربوي في تربية الناس على احترام بعضهم البعض، وانحدار الثقافة من ضعف إلى ضعف، لتستشري البطالة ويتردى الوضع الأمني والاقتصادي أمام هبوط حاد للخدمات، فيؤول بلدنا العريق مهد الحضارات إلى واقع متفرد بمرارته: آلاف الموتى وملايين المهجرين وخراب البنى التحتية والبيوت. والذي يحز في النفس هو هاجس الناس المقلق باستمرار الصراع إلى أمد بعيد!".

وأكمل: "من المعروف أن في تعدد الديانات حكمة إلهية. لا بد من الإقرار بأن الدين، أي دين، بما فيه من تأثير إيجابي على حياة الانسان الوجدانية اليومية، وما يجلبه من سكينة وسلام إلى قلب المؤمن، إلا أنه قد يأتي بتأثير سلبي بسبب جملة عوامل: عندما يغيب النضج الإيماني والروحي والتحليل الواعي السليم والقراءة العلمية الصحيحة للنص، وعند الابتعاد عن الجوهر الحقيقي للدين في التسامح والاحترام والتعاون، وعند التحول إلى التشدد وارتفاع صوت التعصب، وعند فرض الشأن الديني على المجتمع من دون الأخذ بنظر الاعتبار وجود مواطنين من ديانات أخرى ومذاهب أخرى مما لا ينسجم مع الواقع الجديد، وقد تجاوزته دساتير دول العالم، كل هذا يتعأرض مع التعايش الإنساني وجعلنا أمام ازمة فكر وثقافة، وافتقار إلى نظرة واسعة للواقع الحالي، والانتفاض للظلم الذي يطال شعبنا.

وتابع: "إذ ما زلنا بصدد الدين، فنحن نواجه ممارسات بعيدة عن جوهر الدين ورسالته، وأمام من يحكم على الاخرين بالكفر، سواء كانوا من المذهب الواحد، أو من الأديان الأخرى دون أن يعرف حقيقة إيمانهم، ودون الاكتراث بحسن نواياهم، في التوق إلى الخالق والعيش بضمير سليم. وبصراحة تامة إننا نفتقر إلى إشاعة قراءة تفسيرية علمية من مرجعيات رشيدة، والى إرشادات قويمة، من مرجعيات عليا موحدة توجه نحو الخير ألعام، وسيادة القانون العادل، والتحرر من السياسة القادمة من الخارج! وأعتقد أن هذا يمكن أن يكون أحد عوامل المصالحة المشتركة، بما في ذلك التنسيق المنسجم بين المرجعيات العليا لدعم الفكر التنويري الايجابي المنفتح".

وقال "ساكو" في رسالته: "منذ سقوط النظام السابق عام 2003، أصبحت البلاد تحت انسياق لتوجه عنود متشدد وممنهج، يستهدف المسيحيين والأقليات الدينية الأخرى في عقر دارهم، وعلى نطاق واسع، ليدمر تاريخنا المشترك وحضارتنا وقيمنا وأخلاقنا، ويدفع إلى واقع تصاعد موجة الكراهية والتغريب والتهميش ضد المسيحيين".

وإليكم بعض الحقائق والمؤشرات، تبين كيف أن البلاد تعيش خارج نطاق الدول المعاصرة، وبعيدا عن الحد الأدنى من حقوق الانسان، في احترام خصوصية كل جماعة ودين والمحافظة على حرمة اصحابه، وضمان حقهم في التعبير المشروع عنه:

- الكل يعلم ما فعله تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بالمسيحيين واليزيديين على قاعدة: "أسلموا تسلموا" وتهجيرهم من بلداتهم وبيوتهم إلى مخيمات اللاجئين، وقد وصل الإجحاف بحقهم إلى نوع إلغاء حدي لهم، بل إلى نوع " إبادة جماعية"، هناك جماعات وتيارات لا تقل سوءًا عن داعش ظهرت وتعتدي على هذه المكونات قولا فعلا. نذكر على سبيل المثال بعض وقائع حقيقية من دون أن نعممها على المسلمين أو نلصقها بالإسلام حصرا، لكنها انتهاكات صارخة ومشينة:

- البطاقة الوطنية الموحدة المزمع اعتمادها المادة 26/2 والتي تكره الأولاد القاصرين غير المسلمين على تسجيلهم مسلمين عند إشهار أحد الوالدين اسلامهم رغم مطالبتنا بترك الخيار للأولاد بالبقاء على دينهم إلى بعد بلوغهم السن القانونية.

- الدعوة المعلنة مؤخرا من قِبل بعض أئمة المساجد والأشخاص، قبل عيد الميلاد بشأن تهنئة المسيحيين، بأن ارتكاب المعاصي "أهون من تقديم التهاني للنصارى"، وقيام بعض المتشددين بتكسير شجرة الميلاد في أكثر من مركز تبضع (مول) والاعتداء على مقابرهم (في كركوك).

- كما أن قاضية في بغداد طردت مسيحيا عندما أراد الإدلاء بشهادته أمام المحكمة لصالح جارته الأرملة المسلمة التي طلبت منه ذلك، واعتبرت القاضية أن شهادة المسيحي غير مقبولة. رفض بعض من عمال البناء العمل في بيوت المسيحيين أو أديرتهم لأنهم كفار.

- قيام بعض الميليشيات ببغداد بالاستحواذ على بيوت المسيحيين وأراضيهم وممتلكاتهم.

- نشر ملصقات حتى في بعض الدوائر الرسمية تدعو المسيحيات إلى ارتداء الحجاب على غرار مريم العذراء؛ مما يعد تدخلا سافرا في الخيارات الفردية للإنسان المعاصر.

وأكمل: "إننا لسنا في عصر الجاهلية، وفرض تقاليد على الجميع وبدون تمييز، إن هذه الانتهاكات تتفاعل كل يوم وتنتج مزيدا من الخوف والقلق عند الأقليات، وتدفعهم إلى الهجرة شبه الجماعية، وافراغ البلد منهم؛ مما يشكل خسارة لمهاراتهم واختصاصاتهم، فهل ثمة من يقبل بهذه الانتهاكات وما تنتجه؟ فهل مثل هذا الفكر يوحي بالتعايش؟ وهنا نذكر أيضًا جراح المسيحيين الذي أجبروا على الهجرة إلى دول الجوار؛ هربا من وحشية الإرهاب. لقد شهدت الاربعة عشر قرنا المنصرمة، حدودا معينة من التعايش وجوا من الاحترام المتبادل. هذا النهج لا يخدم دينًا ولا دولة. لذا ينبغي أن نستصرخ ضميركم الديني والإنساني لبذل المزيد من الجهد لتغيير هذا الفكر الإقصائي، ومساعدة هذه الأقليات على العيش الحر الكريم في بلدهم، وهم فيه أصلاء، ولهم في تاريخه أيد بيضاء".

وقال: "نرى أننا نحتاج اليوم إلى إشاعة ثقافة جديدة منفتحة تدعو إلى المساواة والعيش المشترك، وتتعامل مع المجتمع الدولي المعاصر والحضارة المتطورة والتنوع الثقافي والديني، تعترف بالآخر وتحترمه. نحن بحاجة إلى دولة، وإلى مرجعيات دينية عليا تقوم بحملة مناهضة وتصدى لهذا الفكر المتطرف التحريضي-الإرهابي فتشعرنا، قولا وفعلا، أن هذه بلادنا وأرضنا، كما هي بلادنا جميعا، ونحن إخوة ومواطنون متساوون بالحقوق والواجبات، بدل الصمت المريب، أمام واقع اعتبارنا كفارا يجب طردهم والاستيلاء على أموالهم أو قطع رؤوسهم".

المعالجة: الخيار الصعب:

1-الاتفاق على رؤية سياسية جديدة واضحة لقيادة البلد ووضع خطة عملية يتم تطبيقها على أرض الواقع بأفق جديد من علاقات والحفاظ على مدنية الدولة وتكريس روح المواطنة عمليا وضمان وحدة الوطن واحتضان التنوع الثقافي والديني والمذهبي والذي هو ميزة العراق وعامل غنى. ربما يكون نظام الأقاليم أو الفيدرالية اليوم هو الحل الأكثر قبولا والذي يحافظ على وحدة البلد.

2- تعزيز سيادة القانون وتبني لغة القانون التي تتسم بالموضوعية والحيادية في التعامل مع المواطنين على حد سواء، وتثبيت حقوقهم كاملة في الدستور ومعالجة عادلة لقضاياهم بعقلانية منفتحة وعلى ضوء الدستور والقوانين والمواثيق الدولية واتخاذ قرارات سليمة تصب في المصلحة العامة لتغدو سبيلا عمليا لتحقيق المواطنة الحقيقية. فمن المعروف أن الدول الأكثر تقدما وديمقراطية، هي تلك التي تحظى فيها الجماعات الثقافية والإثنية ذات العدد المحدد بكامل حقوقها ومكانتها في بناء البلاد وازدهارها.

3- تحصين المواطنين على أرض الواقع، من عواقب التطرف والعنف والارهاب من خلال تقديم فكر وسطي– معتدل، ملتزم بتعميق ثقافة المواطنة، أي انتماء العراقيين إلى وطنهم وليس إلى طوائفهم أو عشائرهم، وفي ظل سيادة القانون، واستخدام التعليم المنفتح كوسيلة تثقيف بعيدة عن بعض المناهج الدراسية التي يتلقاها الطلاب والتي تتضمن أفكارا متطرفة ترفض الآخر وتقصيه ولا تعترف به.

4- مواجهة التطرف ليس باصطفاف متطرف آخر، إنما بتفكيك جذوره الإرهابية وتجفيف منابعه، باعتماد ثقافة التسامح والمحبة وقبول الآخر واحترامه كأخ ومواطن وليس كخصم، وبسلطان القانون، عدم التهاون، مع كل من يدعو إلى التطرف ويحرض على العنف.

5- إيجاد صيغة قانونية إنسانية ومجتمعية ووطنية ودينية للعيش معا، صيغة شجاعة تضمن احترام التنوع والتعددية والتعايش السلمي تنسجم مع الواقع الحالي، صيغة تكفل التوازن والتعايش الكريم، صيغة تكون بمثابة عهد أو عقد اجتماعي أو فتوى عليا تحافظ على وحدة الوطن وتدعم التنوع والتعددية.

وقال البطريرك ساكو ختاما: "لقد حان الأوان لنتحمل مسؤوليتنا؛ وقبل أن يمتد الصراع لسنين عديدة، لنتـحد ونضع أيدينا بادي بعضنا البعض، مسيحيين ومسلمين ويزيديين وصابئة؛ من اجل إيقاف القتل والهدم والتهجير، والعمل لإحلال السلام والأمان، ولنتعاون في بناء وطن للعراقي العربي الشيعي والسني والكردي والتركماني والشبكي والمسيحي واليزيدي والصابئ، وطن يحترم حقوقهم ويصون كرامتهم ويحمي حياتهم، فنغدو بالتالي صناع منعطف تاريخي، وجديرين بتحقيق السلام والاستقرار والأمان لشعبنا".
تم التطوير بواسطة: Extend Solution Provider
إتصل بنا الإعلانات الخصوصية شروط الإستخدام أسئلة متكررة معلومات عنا خريطة الموقع
© 2018 إم سي إن جميع الحقوق محفوظة